ابن قيم الجوزية

155

الروح

تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكبيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك ، وكم قد رئي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر في النوم قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم ، فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عددهم [ وعدتهم ] « 1 » ضعف المؤمنين وقتلهم . ومن العجب أرواح المؤمنين المتحابين المتعارفين تتلاقى وبينها أعظم مسافة وأبعدها ، فتألف وتتعارف ، فيعرف بعضها بعضا كأنه جليسه وعشيره ، فإذا رآه طابق ذلك ما كان عرفته روحه قبل رؤيته . ( قال ) عبد اللّه بن عمرو : إن أرواح المؤمنين تتلاقى على مسيرة يوم ، وما رأى أحدهما قط ، ورفعه بعضهم إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم . ( وقال ) عكرمة ومجاهد : إذا نام الإنسان فإن له سببا يجري فيه الروح وأصله في الجسد ، فتبلغ حيث شاء اللّه ما دام ذاهبا ، فالإنسان نائم ، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان وكان بمنزلة شعاع الشمس الذي هو ساقط بالأرض فأصله متصل بالشمس . وقد ذكر أبو عبد اللّه بن منده عن بعض أهل العلم أنه قال : إن الروح تمتد من منخر الإنسان ومركبه وأصله في بدنه ، فلو خرج الروح بالكلية لمات ، كما أن السراج لو فرق بينه وبين الفتيلة ، ألا ترى أن مركب النار في الفتيلة وضوؤها وشعاعها يملأ البيت ، فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان في منامه ، حتى تأتي السماء وتجول في البلدان وتلتقي مع أرواح الموتى ، فإذا أراه الملك الموكل بأرواح العباد ما أحب أن يريه ، وكان المرئي في اليقظة عاقلا ذكيا صدوقا لا يلتفت في يقظته إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه فأدى إلى قلبه الصدق مما أراه اللّه عز وجل على حسب خلقه ، وإن كان خفيا نزقا يحب الباطل والنظر إليه فإذا نام وأراه اللّه أمرا من خير أو شر رجعت روحه إليه فحيث ما رأى شيئا من مخاريق الشيطان أو الباطل وقفت روحه عليه كما يقظته ، فكذلك لا يؤدي إلى قلبه ، فلا يعقل ما رأى ، لأنه خلط الحق بالباطل ، فلا يمكن معبر أن يعبر له وقد خلط الحق بالباطل .

--> ( 1 ) وردت في المطبوع : وعدوهم ، وهو تصحيف .